الأحد، 19 يوليو 2015

النص الذي يتحول إلى جثة


النصوص القديمة، وكلّ مظاهر الماضي المترسخة بيننا وفينا، لايمكن لها أن تكون فاعلة في الحاضر إلّا إذا تمّت قراءتهاعلى ضوء معطيات الواقع الاجتماعي ومتطلباته الراهنة؛ لأنّ: "الوعيّ بالتراث دون وعيّ بدوره التاريخي من شأنه أن ينتهي بهذا التراث إلى الجمود"[1] كما أنّ قراءة التراث لاتستقيم إلاّ إذا تمّ إخضاعه لنتائج التقدم الراهن في كل فروع العلم والمعرفة والأدب، خاصة: "أنّ قسمًا ضئيلًا جدًا من معلوماتنا حول الماضي خاضع إلى التوثيق، وأمّا القسم الأكبر فهو دائمًا وباستمرار يفرّغ في تصوّر عام، ويمثّل جانبًا من ثقافتنا الوطنية"[2] وبالتالي ينعكس في مجمل حياتنا العملية المعيشة. إنّ القراءة والتفسير والنقد في الوجهة الصحيحة لمحتويات التراث هو الذي يمنح الجوانب المضيئة منها أو النصوص الإبداعية طاقة عظيمة للمساهمة في خلق حركة ثقافية تلعب دورًا تأسيسيًّا معرفياً وجماليًا فاعلًا تاريخيًّا ضمن منظومة الحضارة الإنسانية، وبنفس الوقت يقصي الجوانب المعتمة من التراث عن فعاليتها السلبية الراهنة.
إذا بقيت أحوالنا رهينة للعقول المتخلفة والجاهلة بالتعامل مع التراث ومع معضلات الحاضر، فإننا سائرون نحو الاضمحلال، ونكون من الذين تساءل جاك دريدا عنهم: "...أولئك الذين لم يعودوا هنا، أو أولئك الذين ما زالوا غير حاضرين وغير أحياء، فأيّ معنى يكون في طرح السؤال، أين؟ وأين غدًا؟ وإلى أين؟"[3]. وإذا كان التفاؤل مشروعاً لهذه الأمة في انطلاق ثورات الربيع العربي الإسلامي منذ نهايات عام 2010م مع شباب أدركوا قيمة التصدي للجهل والفساد و القهر، إلّا أن حجم العداء الخارجي لهذه الأمة، بالتواطؤ مع ممثلي تيارات الفكر السياسي القديم في السلطة السياسية وخارجها، وبتمكين الأقليات الطائفية والإثنية من حكم البلاد والعباد، وبالتشجيع على انتشار الحركات الظلامية التكفيرية، حال دون استكمال انتصار هذه الثورات التي لازالت شعلتها تتأجج كرمز لاستشراف مستقبل يضع الأمة على درب التقدم الحضاري، حيث يستحيل الواقع نصّاً إبداعياً، نصّاً يحوّل الواقع من خلال: " الوعي التاريخي الذي لا يحصل إلّا في عهود التقدم والازدهار"[4] لأن التاريخ تجربة معرفية، و: "النقد لا يكون تاريخياً حقاً إلّا إذا انتهى بالتحريك، ببثّ الحياة في الشواهد المستنطقة"[5] عبر قراءة نقدية، يشارك فيها القارىء بعملية الخلق باختراعه للأسماء وباجتراحه للدلالات وبكشفه للمحجوبات والمحرّمات بغية تغيير خرائط الفهم السائدة، في الواقع الذي: "أصبح موضوع القراءة، بقدر ما يعامل (هذا الواقع) كنصّ، ويقرأ بصفته مثقلاً بالمعاني أو محمّلًا بالدلالات، مما يجعله محتاجًا إلى من يتدبّر معناه بالتفسير والتأويل"[6] وهذا ما يتناسب مع تراكم الأسئلة أمام أمّة تتماوت، تحتاج إلى شبابها الذين يمثلون بوارق آمال على دروب الإجابات.


[1]- عزالدين اسماعيل، توظيف التراث (مجلة فصول: القاهرة، مجلد1، ع1، أكتوبر، 1980م
[2]- عبد الله عروي، مفهوم التاريخ، ج1(المركز الثقافي العربي: بيروت، ط3، 1197م) ص23
[3]- جاك دريدا، أطياف ماركس، ترجمة، منذر عيّاشي ( مركز الإنماء الحضاري: حلب، سوريا، ط2، 2006م) ص18
[4]- عبد الله عروي، مفهوم التاريخ، ج1م.س، ص29
[5]- -------------------------------، م.س، ص93
[6]- علي حرب، ما بعد التفكيك ( المؤسسة العربية للدراسات والنشر: بيروت، ط1، 2005م) ص19

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق